الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

240

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

محمدا ولا نعلم شيئا فإنّما نفعل كما رأيناه يفعل » ، يعني أنّ ابن عمر أقرّ السائل وأشعره بأنّ صلاة السفر ثبتت بالسنّة ، وكذلك كانت ترى عائشة وسعد بن أبي وقّاص أنّ هذه الآية خاصّة بالخوف ، فكانا يكمّلان الصلاة في السفر . وهذا التأويل هو البيّن في محمل هذه الآية ، فيكون ثبوت القصر في السفر بدون الخوف وقصر الصلاة في الحضر عند الخوف ثابتين بالسنّة ، وأحدهما أسبق من الآخر ، كما قال ابن عمر . وعن يعلى بن أمية أنّه قال : قلت لعمر بن الخطاب : إنّ اللّه تعالى يقول : إِنْ خِفْتُمْ وقد أمن الناس . فقال : عجبت ممّا عجبت منه فسألت رسول اللّه عن ذلك فقال « صدقة تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » . ولا شكّ أنّ محمل هذا الخبر أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم أقرّ عمر على فهمه تخصيص هذه الآية بالقصر لأجل الخوف ، فكان القصر لأجل الخوف رخصة لدفع المشقّة ، وقوله : له صدقة إلخ ، معناه أنّ القصر في السفر لغير الخوف صدقة من اللّه ، أي تخفيف ، وهو دون الرخصة فلا تردّوا رخصته ، فلا حاجة إلى ما تمحّلوا به في تأويل القيد الذي في قوله : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وتقتصر الآية على صلاة الخوف ، ويستغني القائلون بوجوب القصر في السفر مثل ابن عباس ، وأبي حنيفة ، ومحمد بن سحنون ، وإسماعيل بن إسحاق من المالكية ؛ والقائلون بتأكيد سنّة القصر مثل مالك بن أنس وعامّة أصحابه ، عن تأويل قوله : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ بما لا يلائم إطلاق مثل هذا اللفظ . ويكون قوله : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ إعادة لتشريع رخصة القصر في السفر لقصد التمهيد لقوله : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ الآيات . أمّا قصر الصلاة في السفر فقد دلّت عليه السنّة الفعلية ، واتّبعه جمهور الصحابة إلّا عائشة وسعد بن أبي وقاص ، حتّى بالغ من قال بوجوبه من أجل حديث عائشة في « الموطأ » و « الصحيحين » لدلالته على أنّ صلاة السفر بقيت على فرضها ، فلو صلّاها رباعية لكانت زيادة في الصلاة ، ولقول عمر فيما رواه النسائي وابن ماجة : صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر . وإنّما قال مالك بأنّه سنّة لأنّه لم يرو عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في صلاة السفر إلّا القصر ، وكذلك الخلفاء من بعده . وإنّما أتمّ عثمان بن عفّان الصلاة في الحج خشية أن يتوهّم الأعراب أنّ الصلوات كلّها ركعتان . غير أنّ مالكا لم يقل بوجوبه من أجل قوله تعالى : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ لمنافاته لصيغ الوجوب . ولقد أجاد محامل الأدلّة . وأخبر عن الكافرين وهو جمع بقوله : عَدُوًّا وهو مفرد . وقد قدّمنا ذلك عند قوله تعالى : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ [ النساء : 92 ] .